ومعـــذرةُ اليـــراعةِ والقـــوافي
... جــلالُ الــرُّزْءِ عن وصـــفٍ يـــــدِقُّ .. أحمد شوقي

الجمعة، 27 أبريل 2012

رائــــــحـــة المــــــــوت


يأبى الموت إلا أن يكون فجأة، مهما كثرت بوادره و تنبّأ به الأطباء، ومهما طال الصراع مع المرض، إنه الخبر الذي لا يمكنك أن تستعد لسماعه، ولا يمكنك أ ن تتوقع وقعه عليك عند حدوثه. حتى من غلب على ظنك موته تظل هناك نافذةُ أمل أن يعود، حتى يختل الموت بكل صمت، فيطبقها فجأة..
و بالرغم من فجاءته و الجهل بموعده إلا أن له بوادر أسميها أنا (رائحة الموت) .. ولقد شممتها في حياتي غير مرة..
تلك الرائحة.. التي وجدتها في حنوط عمي و كافوره، وشممتها في كفن جدتي، واستنشقتها في عباءة جدي التي رافقته في صباحات الشتاء و صلوات الفجر و لحقت به حتى فوهة القبر، وملأت بتلك الرائحة أنفي في قبر "وتين" الصغير حين وضعتها هناك بالقرب من جدها و جدتها..
***
إنها رائحة مسيلة للدموع بلا شك، لكني لم أكرهها يوماً، بل كنت في لحظات العزاء أقرّب يدي من أنفي لأشتمّها بين الحين و الآخر.
إنها رائحة من أحببتهم و فقدتهم، إنها رائحة الآخرة التي ما نفتأُ نهرب منها و نحن إليها نسرع، إنها رائحةٌ سيجدها مني من يحبني يوماً ما..
ذلك الحنوط يناديني قائلاً: ستختضب بي يوماً ما من رأسك حتى قدميك، وتلك القبور الجديدة تفتح أذرعها في انتظاري، وأفواهها على مصراعيها كجائعٍ ينتظر لقمته ليطبق عليها فمه الضخم فإذا أخذها لم يفلتها..
***
صدقوني ليس فيما سبق أيُّ رعبٍ أو كآبة، فأنا أحب الحياة كثيراً، لكنها رحمةٌ من ربي يعطيني فيها إنذاراً و تذكيراً: اليوم لم يحن دورك بعد، فلتكن مستعداً عندما يحين..
يروى أن ملك الموت دخل على أحد الأنبياء ليستأذنه في قبض روحه، فعرفه النبي و قال له: جئتني و لم أستعد بعد. فأجابه الملك: أين جارك فلان؟ أين صاحبك فلان؟ قال: ماتوا. فرد عليه: أما كان لك فيهم عبرة لتستعد؟؟ ..
لا أعرف صحة ما كتب أعلاه، لكن العبرة واضحة..
***
ليس الموت يا أحبتي ما يجب أن نخافه، الشبح الذي يجب أن نفر منه هو ذنوبنا. أما الموت فليس إلا ارتحال من دار الشقاء و الجهل و التساؤل و الهموم إلى دار العلم و اليقين.. و((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))..أثرٌ ينسب إلى الإمام علي عليه السلام و كرم الله وجهه و رضي عنه
***
الموت هو موعد صرف الراتب و أخذ الأجر، فمن قام بعمله بإخلاص سيجد ما وعده إياه رب العمل، وفوقه من مكافآت أكرم الأكرمين ما لا يحصيه أحد، ومن أخفق و وزوّر و تلاعب و خان فسيلقى حكماً عدلاً و شهوداً لا ترد شهادتهم و وثائق لا يعتريها الخلل..
الموت.. بداية الرحلة و ليس نهايتها..
ركــــّـــز جيداً و اشحذ حواسّك، وستجد رائحة الموت تمرّ بأنفك كثيراً لتذكّرك..

علـــي الطلحــــي

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

(ستــــــار أكاديـــــــني!!)1


مرّ التديّن و الحراك الديني في المنطقة بمراحل عديدة و متغيرة، و لست هنا في مقام المؤرّخ لأناقش ما كان، لكني استعرضه استعراض الحكايات، و ما يهمني هو ما يكون الآن.
نشأنا في هذه البلاد على التربية الدينية، ونشأنا و نحن نظنّ أننا مهد الرسالات و حفّاظ الأمانات، وأننا خلاص الشعوب المنحلّة التي ملّت الكفر و العلمانية، وينتظرون عودتنا إليهم و في أيدينا مصابيح الدجى و المحجّة البيضاء التي زاغوا هم عنها!!
عشنا في وهم الفضيلة هذا ردحاً من الزمن، وتقمّصنا تبعاته طباعاً و سجايا ذميمة، فاحتقرنا المسلمين وكفّرنا بعضهم، ولم يسلم كثيرٌ من البعض الآخر من التفسيق، حتى أننا ما إن ترقّ قلوبنا لداعيةٍ أو خطيبٍ خارج حدود الأرض المباركة "السعودية" حتى تنبري المنابر لتحذّر منه، وتبين خلل عقيدته..
و تجد أحدنا و قد وجد المسلمين كلهم ضلاّلاً تائهين مضطربي العقائد.. (بسم الله عليك أما انته!!)
ذلك الوهم ساق بعض المتدينين في بلادنا إلى الكبر و الغرور و التجهّم و الغلظة و الحدّة في كل الطروحات، فما كان من نفوس العامة إلا أن مجّت هذا الأسلوب و مقـتـتهُ بعد أن قبلته مجبرةً بسيف العاطفة ردحاً من الزمن..
***
حينما تم رفض "المطوع" القديم المتجهّم خرج لنا جيل "المطاوعة الجدد"!! أو المطاوعة "الكــول" إن صحّت التسمية، يؤمن هؤلاء بالمبدأ الميكافيللي: (الغاية تبرر الوسيلة)، فهم يسلكون أي سبيل يجذب إليهم الشباب، ويعيد لهم الوصاية و السلطة الدينية، ويتميز هؤلاء بالسخافة و التفاهة والسطحية و الرومنسية المتصنّعة المذمومة، فهم ملتحون لكنهم ناعمون هينون لينون حالمون منشدون وسيمون بكاؤون حنونون..
تارةً يتميّعون و يتأنثون في نشيدٍ لهدفٍ سامٍ و هم معتقدون أنهم على ثغرٍ من ثغور الإسلام!!
و تارةً يتزحلقون على الملاعب الصابونية و يحتسبون الأجر في كل زحلقةٍ و كل سقطة!!
هذا الصنف وقف الناس في حيرةٍ أمامه، تجذبهم عاطفة الدين و مخافة أن يكونوا ممن يكرهون أهل الدين، وتنفّرهم الممارسات الصبيانية الساذجة التي يرونها.  انقسم الناس تجاههم، وانساق وراءهم خلقٌ كثير سوادهم الأعظم من النساء و من صغار مراهقي المراكز الصيفية..
***
فهم البعض هذه المعادلة، وارادوا أن يظفروا منها بشيءٍ من الكسب (الحلال)!! فأنشأوا قناة (بـــــدايــــــــة)...


قناة بداية هذه.. وما أدراك ما قناة بداية!! ارتكبت ما أسمّيه أنا (الاحتيال الديني)، وهو في نظري أسوأ و أرذل طرق الاحتيال واعظمها جرماً، و الاحتيال الديني الذي قصدت: أن تستغل عاطفة الدين لدى المجتمع و تتكسّب أنت من ورائها المبالغ الطائلة..
ومن المبادئ التي تتبعها القناة ذلك المبدأ الأعوج الذي ينادي به مغفلوا الصحوة على منابرهم المهترئة، و هو مبدأ إيجاد البديل، وهو مبدأ ٌ جميلٌ في عمومه و في أحوال أخرى معروفة، بل ومبدأ ٌ ربانيٌّ أيضاً، فالله حرّم الربا و أحل البيع، وحرّم الزنا و أحل النكاح. لكن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، فما كان لازماً و ضرورياً للإنسان سيفعله حلالاً كان أم حراماً، وهنا تأتي حكمة الشارع سبحانه أن راعى حاجات الإنسان و غرائزه و أحل له بديلاً مباحاً يقضي به وطره و غريزته. أما في باقي الأمور التي ليست من الضرورة و لا من الحاجة في شيء فليس المسلم مضطراً  لأن يسلك طريقها لا بحلالٍ و لا بحرام. و لعل بالمثال يتضح المقال:
يعتقدون بحرمة الموسيقى، فلووا افواههم و معدّاتهم و إيقاعاتهم حتى لكأنك تسمع الموسيقى و ليست بموسيقى، وهم بذلك يستخفّون بالحكم الشرعي الذي يعتقدون به، وكأن الإسلام يعادي الآلات الموسيقية لذواتها و أشكالها، وهم مفتخرون بما فعلوا أن قدّموا بديل الموسيقى الشرعي للشباب !!
***
ومن الأمثلة الصارخة على مبدأ إيجاد البديل الأعوج: البديل (الديني) لستار أكاديمي، و هذا كان لقناتنا الموقّرة قصب السبق في إيجاده، فنادوا في بوق التفاهة و أتاهم الشباب على كلّ ضامرٍ يأتين من كلّ فجٍّ عميق، شبابٌ مؤهلهم الوحيد أصواتٌ يظنون أنها عذبة، و وظيفة أحدهم في الحياة (منشد) و بئست الوظيفةُ تلك!!
لن أعمم موقفي السلبي من الإنشاد على جميع الناس، لكن ما سأنقده أظن أن لا أحد يختلف معي فيه. رجالٌ تجمعهم شقة و كاميرات تيليفيزيون الواقع تصورهم معظم الوقت، فلا تكاد تراهم إلا يترنمون و يغنون بمناسبة و غير مناسبة، يلوون ألسنتهم بطريقة لا تليق برجل!، تحس لوهلة أنك تشاهد أطفالاً ساذجين في مدرسةً ابتدائية.
و إن مللت مما تشاهده و نقلت بصرك لأسفل الشاشة.. رأيت عجبـــاً !!


سترى شات بـــدايـــــة.. الذي أصبح مضرب المثل في التفاهة و السخافة و و نشر المفاهيم الخاطئة، فبين وصفاتٍ مجهولة المصدر تعالج كل الأمراض بما فيها السرطان و الإيدز و الصلع والضعف الجنسي و سواد الركبة!! و بين نصائح أسرية أقل القليل منها يكفي لهدم أسعد البيوت و أكثرها استقراراً، وبين نداءات و صرخات الفتيات الباحثات عن زوج في شات بداية!!
و فوق هذا الشريط المكئب المبئس شريطٌ آخر لإعلانات القناة، وفيه تجد ما هو أنكى و أنكر من إعلانات النصب و دعايات الكذب!!
***
أذكر مرّةً أني رأيت في هذه القناة الموقّرة مشاركاً في برنامج (شقتنا) دلعه و ميوعته فاقت دلع العروس في ليلة دخلتها حين تأتي بكل ما أتاها الله من غنج..
 المهم كان صاحبنا هذا يترنّم بانشودةٍ جهادية ٍ وجلت منها القلوب و ذرفت منها العيون، في فقرةً تم تخصيصها لنصرة سوريا..
إنها الأنشودة الطفولية الخــالدة: ((لما نستشهد بنروح الجنـِّــة)) !!!!!!!!!


ايُّ نصرةٍ هذه بالله؟؟ 
إنها نصرةٌ لحساب صاحب القناة و لمعدة الأخ أبو عبدالكريم، الذي تنهال عليه الأكلات و الهدايا من عجائز السعودية دون انقطاع، طامعاتٍ في دعوةٍ من فمه الشريف أدام الله ظـلّه..
***


ليس عندي مشكلة مع أيٍّ مما سبق، فأنا أؤمن بحق التافهين في الوجود!!
لكني أغتاظ أيما غيظ و يرتجّ عليّ عندما تلبس التفاهة لباس الدين، وعندما يظنّ مرتكبوها أنهم ينصرون الإسلام و يعدّون جيلاً طيب الأعراق!!


لا أملك إلا أن احتقر هذه القناة، ومبدأ الإسفاف الذي تقوم عليه. دعوا الدين و شأنه، فوالله لو نطق لدعا عليــــكم...






علــــــــي الطلحـــــــي