يأبى الموت إلا أن يكون فجأة، مهما كثرت بوادره و تنبّأ به الأطباء، ومهما طال الصراع مع المرض، إنه الخبر الذي لا يمكنك أن تستعد لسماعه، ولا يمكنك أ ن تتوقع وقعه عليك عند حدوثه. حتى من غلب على ظنك موته تظل هناك نافذةُ أمل أن يعود، حتى يختل الموت بكل صمت، فيطبقها فجأة..
و بالرغم من فجاءته و الجهل بموعده إلا أن له بوادر أسميها أنا (رائحة الموت) .. ولقد شممتها في حياتي غير مرة..
تلك الرائحة.. التي وجدتها في حنوط عمي و كافوره، وشممتها في كفن جدتي، واستنشقتها في عباءة جدي التي رافقته في صباحات الشتاء و صلوات الفجر و لحقت به حتى فوهة القبر، وملأت بتلك الرائحة أنفي في قبر "وتين" الصغير حين وضعتها هناك بالقرب من جدها و جدتها..
***
إنها رائحة مسيلة للدموع بلا شك، لكني لم أكرهها يوماً، بل كنت في لحظات العزاء أقرّب يدي من أنفي لأشتمّها بين الحين و الآخر.
إنها رائحة من أحببتهم و فقدتهم، إنها رائحة الآخرة التي ما نفتأُ نهرب منها و نحن إليها نسرع، إنها رائحةٌ سيجدها مني من يحبني يوماً ما..
ذلك الحنوط يناديني قائلاً: ستختضب بي يوماً ما من رأسك حتى قدميك، وتلك القبور الجديدة تفتح أذرعها في انتظاري، وأفواهها على مصراعيها كجائعٍ ينتظر لقمته ليطبق عليها فمه الضخم فإذا أخذها لم يفلتها..
***
صدقوني ليس فيما سبق أيُّ رعبٍ أو كآبة، فأنا أحب الحياة كثيراً، لكنها رحمةٌ من ربي يعطيني فيها إنذاراً و تذكيراً: اليوم لم يحن دورك بعد، فلتكن مستعداً عندما يحين..
يروى أن ملك الموت دخل على أحد الأنبياء ليستأذنه في قبض روحه، فعرفه النبي و قال له: جئتني و لم أستعد بعد. فأجابه الملك: أين جارك فلان؟ أين صاحبك فلان؟ قال: ماتوا. فرد عليه: أما كان لك فيهم عبرة لتستعد؟؟ ..
لا أعرف صحة ما كتب أعلاه، لكن العبرة واضحة..
***
ليس الموت يا أحبتي ما يجب أن نخافه، الشبح الذي يجب أن نفر منه هو ذنوبنا. أما الموت فليس إلا ارتحال من دار الشقاء و الجهل و التساؤل و الهموم إلى دار العلم و اليقين.. و((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))..أثرٌ ينسب إلى الإمام علي عليه السلام و كرم الله وجهه و رضي عنه
***
الموت هو موعد صرف الراتب و أخذ الأجر، فمن قام بعمله بإخلاص سيجد ما وعده إياه رب العمل، وفوقه من مكافآت أكرم الأكرمين ما لا يحصيه أحد، ومن أخفق و وزوّر و تلاعب و خان فسيلقى حكماً عدلاً و شهوداً لا ترد شهادتهم و وثائق لا يعتريها الخلل..
الموت.. بداية الرحلة و ليس نهايتها..
ركــــّـــز جيداً و اشحذ حواسّك، وستجد رائحة الموت تمرّ بأنفك كثيراً لتذكّرك..
علـــي الطلحــــي
