ومعـــذرةُ اليـــراعةِ والقـــوافي
... جــلالُ الــرُّزْءِ عن وصـــفٍ يـــــدِقُّ .. أحمد شوقي

الثلاثاء، 7 يناير 2014

قلب لا يتكرر

..
ولدت لأب فقير و أم (طفلة) و جدة كفيفة..
ولدت في الرياض حيث لا (رياض) سوى بيوت شعبية متناثرة بدائية في دولة لم تصبح دولة بعد..
لم تعرف من الرياض إلا أباها الطائفي طويل الصمت دفين الجراح معذب الروح مكافح الظروف طويل الصبر..
و أمها القادمة من بطحاء مكة يتيمة الأب حديثة العهد بالدنيا.. ثم أختها التي تكبرها بقليل و إخوانها الثلاثة الذين يصغرونها..

أبوها الذي لم ينل حظاً من التعليم اهتم كثيراً بتعليمها..
كان يدفع من عمره عمرا لتتعلم و كانت تدفع من عمرها أكثر لتحقق له حلمه و حلمها..
أنهت الدراسة الثانوية و انضمت الى القلة القليلة من حاملات هذه الشهادة العزيزة..
ثم اشرأبت نفسها للمزيد. . فدخلت الجامعة حين لم تعرف طريقها الكثير من فتيات الوطن..
أخذت تدفع الجهل بالعلم و تقهر الفقر بالطموح و تخرجت بالبكالوريوس في علم الأحياء. .

محفوظ.. الذي حملته كف الصدفة المحضة من أطراف بادية الطائف إلى عاصمة المملكة (الرياض) الذي لم يكن يعرف عنها ولو حتى أطراف حكايا من زارها..
جاء (بكرتونه) كما يقال! و في كرتونه كان الذكاء اللامع و العزم المتين.. جاء ليدرس.. لم يلبث أن تخرج و توظف عسكرياً في دولة لم يكن يعرف هو ولا أهله عنها الكثير..
ثم التفتت عينه إلى (نورة) ملاك النور ابنة الشيخ الحكيم الذي احتضنه و آواه سني الدراسة الطويلة. .
تزوج محفوظ بنورة..
و منذ ذلك الحين لم يعد لحياة نورة عند نورة شأن..
كانت حياتها تتلخص في زوجها و أبناءها.. لا ترى نفسها إلا أما ثم زوجة و معلمة أجيال عز نظيرها في سنوات خدمتها الطويلة في التعليم..
كانت تنتزع اللقمة من أنياب الضواري فتودعها كاملة في أفواه أبنائها دون أن تطعمها أو تستنشق رائحتها للحظة..
هكذا كانت نورة.. لو جمع أجمل ما في قلوب الأمهات كلهن لكان شيئاً من قلب نورة..

إن حدثتها نفسها (وما أقل ذلك!) بساعة فاخرة أو عطر باذخ أو لباس جميل.. كانت تلجم تلك النفس و تسكت تلك الهواجس و ترد قائلة بحزم:
لا.. بل أضعها على ما جمعت فأشتري سيارة لعلي
أجمعها فأزوج نايف. .
أنميها فأعلم مشعل..
أضعها في كف محفوظ تخفف من ديونه..
أصلح بها سيارة مشعل..
أشتري بها هدية ليارا..
أسدد بها مخالفات أبي يارا المرورية. .

هكذا عشنا و عاش أطفالنا من منعها لنفسها من كل ما اشتهته يوماً ..
هذه نورة..

اليوم تصارع السرطان و الشيخوخة و لا تجد في حسابها البنكي إلا بعض مال قسمته مسبقاً في خططها على نايف و علي و مشعل. .
ليس في خططها و لا حسابها ما هو تحت بند: علاجي في الخارج.. ليس فيه (نورة) ولكنه يعج و يزدحم بعلي و عبير و نايف و مشعل. .

باختصار. .
نورة .. قلب لا يتكرر

علي .. ابن نورة

الجمعة، 3 يناير 2014

الضحك في نظر طبيب


قبل أيام أتمت ملاكي (يارا) شهرها الرابع على هذه الأرض.. وقبل أيام بدأت محاولاتها المضنية في تعلم الضحك بصوت عال، بعد أن اكتفت بالتبسم منذ شهرها الثاني..
خرجت من ذلك المبسم العذب أصوات أثارت في نفس والدها الطبيب الدهشة. فأخذ به التفكير خطا طويلاً رجع به إلى فصول الدراسة في الكلية و إلى بطون الكتب و جداول النمو الطبيعي للأطفال. و نقله من كراسي الدراسة إلى غرف الولادة و أجنحة الطب النفسي. و حلق به قليلاً في سماء الوطن..
تذكرت حينها و تعجبت أن الإنسان لا يتكبد عناء في تعلم البكاء. بل منذ الدقيقة الأولى في غرفة الولادة يكون بكاؤه الأول. و لكنه يحتاج بعدها إلى أربعة أشهر من النمو العقلي ليتعلم الضحك! عندما ينمو عقلك تضحك!

و في أروقة الطب النفسي رأيت مرضى الفصام. والفصام أقرب ما يكون للمرادف الشعبي المعروف للجنون يحدث في مراحله المتقدمة ضمور للمخ،و أذكر أحد المرضى يتحدث عن أمر محزن و يضحك!

الضحك نمو أم تراجع؟؟ علامة للصحة أم عرض للمرض؟؟

بينما كنت أتساءل جنح بي تفكيري إلى اليوتيوب و مقاطع الكيك، و ظهرت أمام عيني عنوانات لمقاطع أهلكت الشعب السعودي ضحكا.. اسمعوا بعضها:
كف رهيييب يموت من الضحك!
مقلب في استاذ الرياضيات ههههه!
تخويف بزران.. تفحيط!!
شاب يخوف جدته!!
شباب ما لهم حل ..مقلب فابوهم!!
طفلة معلمة في الشيشة!!
خال يصيح عيال اخته!!
هجولة بنات!!
استهبال سعوديات!!

رجعت بعدها لسؤالي و تساؤلي.. نمو أم تراجع؟ صحة أم مرض؟ تطور أم ضمور؟؟

خرجت من هذا التساؤل أننا إلى الفصام أقرب منا إلى دهشة الطفل واستكشاف الحياة..
نضحك كثيراً. . لكنها كضحكات مريض الفصام التي تأتي في سياق الحزن..

إننا لم نتعلم الضحك بعد! لم نعرف ما يجب أن يضحكنا و ما ينبغي أن نبكي عليه!

مع هذه الفكرة.. أفزعتني يارا بصرخة قطعت حبل أفكاري..
نظرت إليها خائفاً فإذا هي إحدى محاولاتها للضحك.. فضحكت..

علي الطلحي