ومعـــذرةُ اليـــراعةِ والقـــوافي
... جــلالُ الــرُّزْءِ عن وصـــفٍ يـــــدِقُّ .. أحمد شوقي

الجمعة، 24 أغسطس 2012

اعترافات أسد حسبة






المتابعين الأعزاء - إن كان ثمة متابعين-


السلام عليكم و كل عامٍ و أنتم بخير

عرفت التدوين بعدما اقتحمه الناس و اقتحمهم، فوجدته _بطبعي المتوحّد_ طارداً و مملاً. فما المثير و الممتع في أن تكون في 

الزحام!

ثم أصبح موضةً عتيقةً و هجره الكثيرون إلى قنوات اليوتيوب حتى لتكاد ترى المستقبل و قد أصبح للجميع قناته الخاصة "يسولف" على كيفه. و من هنا عادني حنين التدوين و التوحّد من جديد..

دون كثير إطالة آتيكم اليوم من سبأٍ بنبأ..
قبل ليلتين و في إحدى ليالي العيد زارنا أسدٌ من أسود الحسبة، لطالما أطربنا باقتحاماته البطولية، و لكم ترنّم الحاضرون على قصصه التي تشعرك بأن المجتمع حثالةٌ كلهم، و ما أكثر ما خرج الحاضرون و قد تصوروا الفحشاء تطرق أبوابهم فانقضّوا على هواتف بناتهم و فتشوا لابتوباتهن!! طبعاً أبناؤهم مستثنون من هذا!!

المهم أن صاحبنا هذا عاد بصورةٍ لم نعهده عليها..
فأخذ يفشي بعض الأسرار أو الاعترافات إن صحّت التسمية!!
قال فيما قال: أن رئيس الهيئة الجديد و أعضاء الهيئة القدامى يسيرون في اتجاهين مختلفين تماماً، فأوامر الأول و تصريحاته يتجاهلها الآخرون في كثير من الأحيان و يتحايلون عليها أحياناً، فعن المطاردات مثلاً: بشرنا هذا الأسد و بشر الكثيرين من الغيورين على أعراض المسلمين أن المطاردات ما زالت تسير على قدمٍ و ساق!! و أما طائلة النظام فيمكن التملّص منها بتغيير محضر الضبط و ليس تزويره معاذ الله!!
و عن اقتحام الدور و الأماكن المغلقة دونما دليلٍ دامغ أو إذنٍ أمني، فبشرنا أيضاً أنها ما زالت في أوجها، و كالعادة يغير في المحضر بأنهم وجدوا المنكر خارج الدار و المذنب متلبّساً في الخارج و معه زجاجات الشراب الفارغة و الملآى!!
بل إنهم في إحدى المرات اقتحموا محلاً فيه كاميرات مراقبة رصدت دخولهم و وثّقته، فلما اشتكى صاحب المنشأة أنكر الأسود الصور و قالوا : (فوتوشوب) !! و لم يكتفوا بذلك بل تقدموا بشكوى إلى ديوان المظالم ضد الرئيس الجديد متهمينه فيها باستخدام سلطته لتقويض مهامهم!!
هذا بعض ما أردت نشره من اعترافات.. و ما خفي كان أعظم..

***

و الآن لنتحرّ الإنصاف قليلاً و لنقل أن هناك من يخطئ و هم كثر، و هناك من جهة أخرى تقويض لنشاطات هذا الجهاز و التي هي في جوهرها مطلبٌ للجميع في صيانة سلوك المجتمع العام..
فعلى سبيل المثال سمعت بأن هناك ثمّة قرار يمنع الفنادق و الشقق المفروشة من طلب إثبات النساء المصطحبين مع الرجل أثناء الحجز بما في ذلك (كرت العائلة) و أن الغرامة للمنشأة التي تسأل النزيل عنها تصل إلى ١٠٠٠٠ ريال سعودي، نعم عشرة آلاف!!
فلعلك ترى الباب الذي فتح على مصراعيه للمستفيدين الصالحين و الآخرين المفسدين..
دمتم بود..
علي الطلحي

الجمعة، 27 أبريل 2012

رائــــــحـــة المــــــــوت


يأبى الموت إلا أن يكون فجأة، مهما كثرت بوادره و تنبّأ به الأطباء، ومهما طال الصراع مع المرض، إنه الخبر الذي لا يمكنك أن تستعد لسماعه، ولا يمكنك أ ن تتوقع وقعه عليك عند حدوثه. حتى من غلب على ظنك موته تظل هناك نافذةُ أمل أن يعود، حتى يختل الموت بكل صمت، فيطبقها فجأة..
و بالرغم من فجاءته و الجهل بموعده إلا أن له بوادر أسميها أنا (رائحة الموت) .. ولقد شممتها في حياتي غير مرة..
تلك الرائحة.. التي وجدتها في حنوط عمي و كافوره، وشممتها في كفن جدتي، واستنشقتها في عباءة جدي التي رافقته في صباحات الشتاء و صلوات الفجر و لحقت به حتى فوهة القبر، وملأت بتلك الرائحة أنفي في قبر "وتين" الصغير حين وضعتها هناك بالقرب من جدها و جدتها..
***
إنها رائحة مسيلة للدموع بلا شك، لكني لم أكرهها يوماً، بل كنت في لحظات العزاء أقرّب يدي من أنفي لأشتمّها بين الحين و الآخر.
إنها رائحة من أحببتهم و فقدتهم، إنها رائحة الآخرة التي ما نفتأُ نهرب منها و نحن إليها نسرع، إنها رائحةٌ سيجدها مني من يحبني يوماً ما..
ذلك الحنوط يناديني قائلاً: ستختضب بي يوماً ما من رأسك حتى قدميك، وتلك القبور الجديدة تفتح أذرعها في انتظاري، وأفواهها على مصراعيها كجائعٍ ينتظر لقمته ليطبق عليها فمه الضخم فإذا أخذها لم يفلتها..
***
صدقوني ليس فيما سبق أيُّ رعبٍ أو كآبة، فأنا أحب الحياة كثيراً، لكنها رحمةٌ من ربي يعطيني فيها إنذاراً و تذكيراً: اليوم لم يحن دورك بعد، فلتكن مستعداً عندما يحين..
يروى أن ملك الموت دخل على أحد الأنبياء ليستأذنه في قبض روحه، فعرفه النبي و قال له: جئتني و لم أستعد بعد. فأجابه الملك: أين جارك فلان؟ أين صاحبك فلان؟ قال: ماتوا. فرد عليه: أما كان لك فيهم عبرة لتستعد؟؟ ..
لا أعرف صحة ما كتب أعلاه، لكن العبرة واضحة..
***
ليس الموت يا أحبتي ما يجب أن نخافه، الشبح الذي يجب أن نفر منه هو ذنوبنا. أما الموت فليس إلا ارتحال من دار الشقاء و الجهل و التساؤل و الهموم إلى دار العلم و اليقين.. و((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))..أثرٌ ينسب إلى الإمام علي عليه السلام و كرم الله وجهه و رضي عنه
***
الموت هو موعد صرف الراتب و أخذ الأجر، فمن قام بعمله بإخلاص سيجد ما وعده إياه رب العمل، وفوقه من مكافآت أكرم الأكرمين ما لا يحصيه أحد، ومن أخفق و وزوّر و تلاعب و خان فسيلقى حكماً عدلاً و شهوداً لا ترد شهادتهم و وثائق لا يعتريها الخلل..
الموت.. بداية الرحلة و ليس نهايتها..
ركــــّـــز جيداً و اشحذ حواسّك، وستجد رائحة الموت تمرّ بأنفك كثيراً لتذكّرك..

علـــي الطلحــــي

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

(ستــــــار أكاديـــــــني!!)1


مرّ التديّن و الحراك الديني في المنطقة بمراحل عديدة و متغيرة، و لست هنا في مقام المؤرّخ لأناقش ما كان، لكني استعرضه استعراض الحكايات، و ما يهمني هو ما يكون الآن.
نشأنا في هذه البلاد على التربية الدينية، ونشأنا و نحن نظنّ أننا مهد الرسالات و حفّاظ الأمانات، وأننا خلاص الشعوب المنحلّة التي ملّت الكفر و العلمانية، وينتظرون عودتنا إليهم و في أيدينا مصابيح الدجى و المحجّة البيضاء التي زاغوا هم عنها!!
عشنا في وهم الفضيلة هذا ردحاً من الزمن، وتقمّصنا تبعاته طباعاً و سجايا ذميمة، فاحتقرنا المسلمين وكفّرنا بعضهم، ولم يسلم كثيرٌ من البعض الآخر من التفسيق، حتى أننا ما إن ترقّ قلوبنا لداعيةٍ أو خطيبٍ خارج حدود الأرض المباركة "السعودية" حتى تنبري المنابر لتحذّر منه، وتبين خلل عقيدته..
و تجد أحدنا و قد وجد المسلمين كلهم ضلاّلاً تائهين مضطربي العقائد.. (بسم الله عليك أما انته!!)
ذلك الوهم ساق بعض المتدينين في بلادنا إلى الكبر و الغرور و التجهّم و الغلظة و الحدّة في كل الطروحات، فما كان من نفوس العامة إلا أن مجّت هذا الأسلوب و مقـتـتهُ بعد أن قبلته مجبرةً بسيف العاطفة ردحاً من الزمن..
***
حينما تم رفض "المطوع" القديم المتجهّم خرج لنا جيل "المطاوعة الجدد"!! أو المطاوعة "الكــول" إن صحّت التسمية، يؤمن هؤلاء بالمبدأ الميكافيللي: (الغاية تبرر الوسيلة)، فهم يسلكون أي سبيل يجذب إليهم الشباب، ويعيد لهم الوصاية و السلطة الدينية، ويتميز هؤلاء بالسخافة و التفاهة والسطحية و الرومنسية المتصنّعة المذمومة، فهم ملتحون لكنهم ناعمون هينون لينون حالمون منشدون وسيمون بكاؤون حنونون..
تارةً يتميّعون و يتأنثون في نشيدٍ لهدفٍ سامٍ و هم معتقدون أنهم على ثغرٍ من ثغور الإسلام!!
و تارةً يتزحلقون على الملاعب الصابونية و يحتسبون الأجر في كل زحلقةٍ و كل سقطة!!
هذا الصنف وقف الناس في حيرةٍ أمامه، تجذبهم عاطفة الدين و مخافة أن يكونوا ممن يكرهون أهل الدين، وتنفّرهم الممارسات الصبيانية الساذجة التي يرونها.  انقسم الناس تجاههم، وانساق وراءهم خلقٌ كثير سوادهم الأعظم من النساء و من صغار مراهقي المراكز الصيفية..
***
فهم البعض هذه المعادلة، وارادوا أن يظفروا منها بشيءٍ من الكسب (الحلال)!! فأنشأوا قناة (بـــــدايــــــــة)...


قناة بداية هذه.. وما أدراك ما قناة بداية!! ارتكبت ما أسمّيه أنا (الاحتيال الديني)، وهو في نظري أسوأ و أرذل طرق الاحتيال واعظمها جرماً، و الاحتيال الديني الذي قصدت: أن تستغل عاطفة الدين لدى المجتمع و تتكسّب أنت من ورائها المبالغ الطائلة..
ومن المبادئ التي تتبعها القناة ذلك المبدأ الأعوج الذي ينادي به مغفلوا الصحوة على منابرهم المهترئة، و هو مبدأ إيجاد البديل، وهو مبدأ ٌ جميلٌ في عمومه و في أحوال أخرى معروفة، بل ومبدأ ٌ ربانيٌّ أيضاً، فالله حرّم الربا و أحل البيع، وحرّم الزنا و أحل النكاح. لكن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، فما كان لازماً و ضرورياً للإنسان سيفعله حلالاً كان أم حراماً، وهنا تأتي حكمة الشارع سبحانه أن راعى حاجات الإنسان و غرائزه و أحل له بديلاً مباحاً يقضي به وطره و غريزته. أما في باقي الأمور التي ليست من الضرورة و لا من الحاجة في شيء فليس المسلم مضطراً  لأن يسلك طريقها لا بحلالٍ و لا بحرام. و لعل بالمثال يتضح المقال:
يعتقدون بحرمة الموسيقى، فلووا افواههم و معدّاتهم و إيقاعاتهم حتى لكأنك تسمع الموسيقى و ليست بموسيقى، وهم بذلك يستخفّون بالحكم الشرعي الذي يعتقدون به، وكأن الإسلام يعادي الآلات الموسيقية لذواتها و أشكالها، وهم مفتخرون بما فعلوا أن قدّموا بديل الموسيقى الشرعي للشباب !!
***
ومن الأمثلة الصارخة على مبدأ إيجاد البديل الأعوج: البديل (الديني) لستار أكاديمي، و هذا كان لقناتنا الموقّرة قصب السبق في إيجاده، فنادوا في بوق التفاهة و أتاهم الشباب على كلّ ضامرٍ يأتين من كلّ فجٍّ عميق، شبابٌ مؤهلهم الوحيد أصواتٌ يظنون أنها عذبة، و وظيفة أحدهم في الحياة (منشد) و بئست الوظيفةُ تلك!!
لن أعمم موقفي السلبي من الإنشاد على جميع الناس، لكن ما سأنقده أظن أن لا أحد يختلف معي فيه. رجالٌ تجمعهم شقة و كاميرات تيليفيزيون الواقع تصورهم معظم الوقت، فلا تكاد تراهم إلا يترنمون و يغنون بمناسبة و غير مناسبة، يلوون ألسنتهم بطريقة لا تليق برجل!، تحس لوهلة أنك تشاهد أطفالاً ساذجين في مدرسةً ابتدائية.
و إن مللت مما تشاهده و نقلت بصرك لأسفل الشاشة.. رأيت عجبـــاً !!


سترى شات بـــدايـــــة.. الذي أصبح مضرب المثل في التفاهة و السخافة و و نشر المفاهيم الخاطئة، فبين وصفاتٍ مجهولة المصدر تعالج كل الأمراض بما فيها السرطان و الإيدز و الصلع والضعف الجنسي و سواد الركبة!! و بين نصائح أسرية أقل القليل منها يكفي لهدم أسعد البيوت و أكثرها استقراراً، وبين نداءات و صرخات الفتيات الباحثات عن زوج في شات بداية!!
و فوق هذا الشريط المكئب المبئس شريطٌ آخر لإعلانات القناة، وفيه تجد ما هو أنكى و أنكر من إعلانات النصب و دعايات الكذب!!
***
أذكر مرّةً أني رأيت في هذه القناة الموقّرة مشاركاً في برنامج (شقتنا) دلعه و ميوعته فاقت دلع العروس في ليلة دخلتها حين تأتي بكل ما أتاها الله من غنج..
 المهم كان صاحبنا هذا يترنّم بانشودةٍ جهادية ٍ وجلت منها القلوب و ذرفت منها العيون، في فقرةً تم تخصيصها لنصرة سوريا..
إنها الأنشودة الطفولية الخــالدة: ((لما نستشهد بنروح الجنـِّــة)) !!!!!!!!!


ايُّ نصرةٍ هذه بالله؟؟ 
إنها نصرةٌ لحساب صاحب القناة و لمعدة الأخ أبو عبدالكريم، الذي تنهال عليه الأكلات و الهدايا من عجائز السعودية دون انقطاع، طامعاتٍ في دعوةٍ من فمه الشريف أدام الله ظـلّه..
***


ليس عندي مشكلة مع أيٍّ مما سبق، فأنا أؤمن بحق التافهين في الوجود!!
لكني أغتاظ أيما غيظ و يرتجّ عليّ عندما تلبس التفاهة لباس الدين، وعندما يظنّ مرتكبوها أنهم ينصرون الإسلام و يعدّون جيلاً طيب الأعراق!!


لا أملك إلا أن احتقر هذه القناة، ومبدأ الإسفاف الذي تقوم عليه. دعوا الدين و شأنه، فوالله لو نطق لدعا عليــــكم...






علــــــــي الطلحـــــــي

الجمعة، 13 يناير 2012

"طـــــــــويــــــــرش"


أسعد الله جمعتكم بكل خير..
فلتعلم يا صديقي القارئ أن فصاحة اللسان، وبلاغة اللفظ، وبديع الأسلوب ليست شروطاً للكاتب الجيد، بل هي شروطٌ يجب توافرها في الأديب، أما الكاتب الجيد فله شروطٌ أسهل توافراً و أعظم أهمية، يكفي للكاتب الجيّد أن يكون مرهفَ الحس، سليمَ القلب، حيَّ الضمير، سليماً من الأخطاء اللغوية _أو المثيرة للقشعريرة منها على الأقل_، يكتب عن قضايا أمّته بقلم المصلح الأمين، ويدافع عن مهمّشيها بحماس الثائر الشجاع، و يحسّ بنبض الشارع و آلامه، إن توفرت فيه شروط الأديب نفَعَ و أطرب، وإلا فنفعه حاصلٌ في الحالتين..
بعد هذه المقدّمة المقتضبة أقول لك أني لست بالأديب و لا بالكاتب، ولكني أزعم أن عندي الحد الأدنى من الشجاعة النقدية، والأمانة الفكرية، و بُغض الظلم بكلّ أشكاله، ولا أسلم من أخطاء النحو والإملاء، و أنا لا أعوّل في هذا المقال على امتلاكي لأيٍّ مما سبق، وإنما أعوّل على قلوبكم أنتم، وضمائركم الحيـّة، و تفكيركم الواعي..
***
اليوم.. أحدّثكم عن (طويرش)..
طويرش رجلٌ نشأ و ترعرع في أقصى شمال الجزيرة العربية، على أرضٍ لا يعرف أجداده و آباؤه غيرها مسكناً، يتنفسّون هواءها، ويحلبون سماءها، و يرعون بهائمها، لا حدود و لا سياسة، كلّ روضٍ مربعٍ هو منزلٌ لهم، وكلّ ماءٍ عذبٍ هو وِردٌ لهم، عرفوا الأرض و عرفتهم جيّداً، حتى أنها لتعرف (أثر) أحدهم على الثرى، و رائحته في الهواء، جاءت السياسة، و وُجدت السعودية، و كانوا حينها بدواً يملكون من حُمر النَّعَم ما يسدّ جوعهم و جوع ذراريهم، وما يكرمون به ضيفهم، ويفتدون به عانيهم، و لم يكونوا يحتاجون إلى الدولة في شيء، فالدولة عندهم تنحصر في (الأخوان) الذين يضربونهم على الصلاة، ويجبون منهم الزكاة، و في تلك الأيام لم تكن الحدود الدولية سوى حبرٍ على ورق، فكانوا يرتحلون و ينزلون حيث تأنس ماشيتهم، تارةً في العراق، وتارةً في الأردن، وتارةً في قلب بادية الشام، و لا يلبثون أن يعودوا أدراجهم إلى شمالهم الذي عشقوه..
***
يومها كان مناديب (ابن سعود) يزورون الأقطار؛ ليسجّلوا أبناءها في سجلاّت الدولة، ويعطونهم إثباتات هوية سعودية (تابعية) كما كانت تسمّى..
كان طويرش فتىً يافعاً حين سمع أباه يسخرُ من هذا الإجراء، و يستنكر أنه و هو من هو!، الذي تعرفه الجبال، وتفخر بوطأته الرمال، وتستبشر برؤيته الهضاب، يحتاج إلى تعريــف؟؟؟!!
أعرف ما تظنّون، لم يكن هذا من قبيل قلة الولاء للدولة، كانت مجرد حماقةٍ بدويةٍ مكابرة..
***
دارت الدوائر، وشحّت الأمطار، وغارت الآبار، وهلكت البهائم، فيمّـموا عراقهم كما اعتادوا، فإذا بالحدود موصدةٌ في وجوههم و وجوه بهائمهم الجائعة، إنها السياسة !! فقد فسد الوفاق بين البلدين حينئذٍ، رجعوا أدراجهم خائبين جائعين، و شارفوا على الهلاك..
عندها جاءهم أحد الأصدقاء ناصحاً: أن اذهبوا بأبنائكم إلى مدارس ابن سعود، فإنه لم يعد في الدنيا حظٌّ لمن لا شهادة له. سمع أبو طويرش الخبر، فمكث غير بعيد حتى وصل للمدرسة يريد تسجيل طويرش، درس طويرش حتى تخرج من الثانوية، فقال له قائل: ما صنعتَ شيئاً!! العلم كل العلم في الجامعة، ولا مستقبلَ لمن لا جامعة له.
طرق طويرش أبواب الجامعات فسُدّت جميعها في وجهه، و ردّوا عليه بردٍّ غريبٍ لم يفهمه بادئ الأمر، قالوا له كلمةً تبدأ بالباء و تنتهي بالنون، وقالوا أنها هي العلة في عدم قبوله، تفكّر حزيناً فيما قالوا، ظنّها أول الأمر: ((بـ لــون))!! لكنه عندما تفحّص لونه الذي يشبه لون إخوته و أبناء عمومته، الذين يشبهون بدورهم لون صحراء الشمال، عندها عرف أن المشكلة ليست في لونه!!
أعياه التفكير في تلك الكلمة القبيحة، لكنه كرهها و كره من اخترعها أشدّ الكره، أخذ يفكّر في أبيه المتوفّى، وإخوته العشرة، و ما تبقّى عنده من بهائم أخَذته المدرسة عنها، ولم يعد يحسن تدبير أمرها، ثم قال لنفسه: هي الوظيفةُ إذاً، ولتبق الجامعات لمن لا تقال لهم تلك الكلمة الملعونة، وأخذ يطرق أبواب سوق العمل، حكوميّها و أهليّها، فقابلوه بالرفض، وبنفس الكلمة المشؤومة، لكنه هذه المرة لم يبرح مكانه حتى استبان نطقها و سمعها جيّداً، قالوا له: أنت ((بــدون))!! أنت بدون ((هويــة))..
صاح بهم غاضباً: أنا (بدون)؟ بل أنتم الذين (بدون)، أنتم بدون إنسانية، أنتم بدون وطنية، (بدون) عدل، بدون إسلام!!، ما ذبني أنا و قد استكبر أبي البدوي عن ورقتكم و مات؟؟ ما ذنبي و أبناء عمومتي في قطاعات الدولة كلها، وعلى ثغور القوات المسلّحة و حدودها يحمون وطناً لا يعتبرني إنساناً؟؟ أأنا (بــدون) أم أنتم؟؟
***
وكانت تلك آخر مرّةٍ يراه فيها مخلوق، قبل أن يعاود الظهور بعد عشر سنوات عارياً يركض في صحراء الربع الخالي، و يغنّي:
النوق ماتت ومات أبوي و أخواني ... و الدولة استخسرت رزقي و تعليمي


..
علــي الطلحــي

الجمعة، 6 يناير 2012

أمراض سعــــوديــــة










(1)
في كل بلاد العالم تجد أمراضاً تتفشّى في بلد أكثر من غيره، وهناك أمراض انتهت من العالم و أصبحت منحصرةً على بلدان معينة دون غيرها حتى سُمّيت بأسمائها..
من هذا المنطلق يصح القول بأن هناك أمراضاً سعودية خاصة بنا، ولعل هذا من سلسلة الخصوصية السعودية المباركة..
وليس سـرّاً  أني من أشدّ المعجبين بالمجتمع السعودي و خصوصيته، لذا كتبت في السابق عن جراثيــمه، و أكتب اليوم عن أمراضــه..
(2)
عمى الألوان " النسخة السعودية" : هو أن ترى بكل وضوح أمجاد أجدادك و تاريخهم التليد في درب الفضيلة، وتعمى تماماً عن أبناء عمومتك "المرزوعين" في سجون المخدرات والقضايا الأخلاقية..
و هو أن تعمى تماماً عن سوء خُلق "طويل العمر" و سعة ظلمه و استبداده و يده الملوّثة بعرق الكادحين، وترى -طامعاً- بجلاء أصفار حساباته المشبوهة وابتسامته العريضة..
(3)
انفصام الشخصية السعودي (أو اضطراب الشخصيات المتعددة):
أن تناصر حقوق المرأة في مجالس الغير، وتهينها في بيتك !!
و أن تنتقد و تقرّع "في تويتر" من يرمي منديلاً من نافذة السيارة،و في نفس اللحظة ترمي أنت زجاجة الكولا !!
(4)
اضطراب الأوهام والخيالات النفسية:
أن تصدّق بما لا يدع مجالاً للشك أن دستورنا القرآن والسنة..
و أن تجزم بأننا أفضل المجتمعات وأنت لم تتعدى خط سير: حيك السكني – استراحة "العيال" !!
(5)
فوبيـا الحرام!!
وهذا مرض لم أجده في قطر إسلامي في العالم غير السعودية, تبدأ الحالة بأعراض طفيفة من تشتت في الذهن و شكوك مكبوتة و جهل مطبق في الدين, و تزداد حدّة المرض في وجود بعض العوامل البيئية مثل الكاسيت الصَحَوي وبعض المطويات التي تركّز و بشدة على أن الله شديد العقاب و تتناسى أنه غفورُ ُ رحيم, فيخيّل للمريض أن الأصل في المسلمين أنهم في النار إلا إذا تداركهم الله برحمته التي هي قريبة من المحسنين ولا وجود للمحسنين في هذا الزمان!!, فيصبح يخاف الله بدل أن يحبه, و يتجنب عذابه بدل أن يستجلب رحمته, و يعيش في حالة هلع من كل شيء, و يشعر بالذنب تجاه كل شيء,فلا يجد سبيلا للخلاص إلا أن يحصل على فتوى معتمدة على كل حركة و سكنة في حياته, حتى يكون معه عذرُ ُ أمام الله, و بعضهم يفضّلها مكتوبة أيضاَ َ !!
(6)
 حمى التصنيف!!
 هذا المرض من أعجب الأمراض و من أشدها خصوصية للمجتمع السعودي, و قد يصحّ القول أنه أصبح متفشيّاَ َو شبه مستوطن في بلادنا, تتنوع صوره و أشكاله, فمنها ما يظهر موسمياَ َ مع كل معرض كتاب مثلاَ َ!! و منها ما يكون حادّاَ َ بعد مقال مثلاَ َ, و منها ما يكون مزمناَ َ في كل وقت وحين و هو الأخطر, و في حالاته المستعصية قد يصنّـف المريض حتى نفسه بأكثر من تصنيف في اليوم و الليلة !!

(7)
الأمراض السعودية كثيرة أخي القارئ وقد تحتاج لموسوعة خاصة، ولعل من ضمنها أني أكتب هذا المقال وأنا أعاني من نصف ما ذكرته فيه..
فعلاً.. السعودية ظاهرة تستحق الدراسة..

علــــي الطلحــــي