السلام عليكم..
كنت في نهاية الأسبوع الماضي في مدرستي الثانوية، مندوباً لكلّيتي في مشروعٍ ما..
فجأةً عدت ذلك الطالب المراهق الذي لا يرى من العالم إلا مدرسته ومدرسيه وأمه وأباه، طالب كنته قبل ستّ سنوات، وزرته اليوم،فلم يعرفني ولم أعرفه...
رأيت نفسي في تلك الأروقة التي شهدت بداية الشباب وعنفوانه، وكنت فيها من كنت، ذكريات جميلةٌ جداً.. ولكن !!
رأيت نفسي في تلك الأروقة التي شهدت بداية الشباب وعنفوانه، وكنت فيها من كنت، ذكريات جميلةٌ جداً.. ولكن !!
لكن.. أبت مدرسة الحياة إلا أن تعطيني بعض الدروس في مقاعد للدراسة كنت قد هجرتها منذ زمن..
علمتني مدرستي في تلك الزيارة الخاطفة، ما لم أتعلّمه فيها على مدى اثنتي عشرة سنة من المعارف وثم التربية والتعليم فيما بعد..
علّمتني أن الانتقال ضرورة ملحّة، وأن ركود الماء يفسده فعلاً، وأن الجمر يموت إن لم نقلّبه..
قد يكون في المدارس فرصةً للتأمل أكثر من تلك التي على ضفاف نهرٍ ما، على صوت خرير الماء، وتغريد البلابل..
في المدرسة قصة حياة، وقصة موت، أما الحياة، فنراها كل عام في الجيل الذي تخرّج من الثانوية لتتفرّق بهم سبل الدنيا، فيرتحلون ، وعندما يعودون يعودون أشخاصاً مختلفين، أكثر إدراكاً وأكثر علماً، وأكثر خبرة.. وربما العكس!!
أما قصة الموت، فنراها كل عام أيضاً، في المدرسين الجدد، الذين يدخلون هذا العالم المنغلق، فلا يعرفون إلا هو، وتصبح حياتهم متمحورةٌ حول زملائهم الذين لا يتغيرون،ولا يرحلون، ومناهجهم التي يحفظونها في الليل، ليرددوها في النهار..
حضَرت الصلاة وأنا في المدرسة، فتوجهت للمصلى، وبعد الصلاة، قام فينا أحد مدرسي الدين خطيباً..
كنت في آخر الصفوف، فتسنّت لي رؤية ردود الأفعال على خطابه البكائي!! ..
البعض بدا متأثّراً بصراخه وعويله ومغامراته و قصصه الخرافية و صياحه وأسلوب السبعينيات الذي يتبعه، والأغلب، كانوا يضحكون على سذاجة مدرسهم..
أدركتُ حينها.. أن المعلمين يتأثرون بالمناهج أكثر من طلابهم، وأن الطالب قد يضحك على معلمه و(قدوته)..
وكأن المدرسة كبسولة زمن، يبقى فيها كل شيءٍ كما هو، بينما يتغير العالم خارج أسوارها، حتى أشكال المدرسين لا تتغير، ولا تشيخ، فقد شاخت إلى حدها الأقصى حين دخَلـَت هنا..
خلاصة القول، والعبرة الكبرى التي أخذتها من تلك الزيارة :
لا تقبع في كبسولة زمن، تنقـّل في مراحل حياتك لأزمنةٍ أخرى، واطّلع، وتغيّر للأفضل، لا تكن بسذاجة الماضي، ولا باستحالة المستقبل البعيد، ولكن كن بنشاط الحاضر وتغيره وتطوره المحمود، واخرج من كبسولتك بين الفينة والأخرى للتنزّه في العالم الحقيقي،كيلا يضحك عليك طلابك أو أبناؤك في المستقبل، اقطع تذكرة على متن قطار الحياة، ولا تقبع في محطّة واحدة، فلربما كانت المحطات القادمة أكثر جمالاً، وإن لم تكن، فأنت تعرف طريق العودة على نفس القطار..
لا تنغلق على بيئة واحدة، واحذر من كبسولات الزمن، فهي كثيرة، وتتعدى المدارس بكثير، لتدخل في جميع مناحي الحياة..
قد يكون زواجكِ أخيّتي كبسولة زمن كبيرة، تنتهي فيها مرحلة تطوركِ وإبداعك، وتبدأ حياتك في التمحور فقط حول (سي السيـّد) زوجك!!
فتصبحين مثل ذاك المدرّس، ترددين ما حفظتيه، وتكررين نفسك، وقد تطبخين حتى نفس الطبخات!!..
اخرجي للدنيا، لتكن لكِ حياة اجتماعية جميلة، تصِلين رحمك، وتعرفين جاراتك،وتطوّرين نفسك، وتقرأين وتتطوّرين، فلا يضحك على أسلوبكِ العتيق أولادكِ يوماً ما..
قد تكون دراستك الجامعية أخي هي كبسولتك، فتنغلق فيها على وجوهٍ معدودة تعرّفت عليهم في أول سنة، فلا تعرف من الناس إلا هم، ولا تعرف من الكتب إلا مراجع الدراسة، ولا تعرف من مدينتك سوى طريق الجامعة..
وقد يكون وطنك الكبير هو كبسولتك الكبيرة، فلا تعرف إلا هو، ولا تصدّق إلا هو، ولا تعرف من الدنيا إلا وجهة نظره، ولا تنتظر في الحياة إلا صدقته وإحسانه عليك..
اخرج، وسافر، واطّلع، وتأمل في الأرض، و وسّع مداركك..
الكبسولات كثيرة.. ولكلٍّ منـّا كبسولته، ابحث عن كبسولتك واكسرها.. كي لا يضحك على جهلك الزمان..
علي الطلحي


