أسعد الله جمعتكم بكل خير..
فلتعلم يا صديقي القارئ أن فصاحة اللسان، وبلاغة اللفظ، وبديع الأسلوب ليست شروطاً للكاتب الجيد، بل هي شروطٌ يجب توافرها في الأديب، أما الكاتب الجيد فله شروطٌ أسهل توافراً و أعظم أهمية، يكفي للكاتب الجيّد أن يكون مرهفَ الحس، سليمَ القلب، حيَّ الضمير، سليماً من الأخطاء اللغوية _أو المثيرة للقشعريرة منها على الأقل_، يكتب عن قضايا أمّته بقلم المصلح الأمين، ويدافع عن مهمّشيها بحماس الثائر الشجاع، و يحسّ بنبض الشارع و آلامه، إن توفرت فيه شروط الأديب نفَعَ و أطرب، وإلا فنفعه حاصلٌ في الحالتين..
بعد هذه المقدّمة المقتضبة أقول لك أني لست بالأديب و لا بالكاتب، ولكني أزعم أن عندي الحد الأدنى من الشجاعة النقدية، والأمانة الفكرية، و بُغض الظلم بكلّ أشكاله، ولا أسلم من أخطاء النحو والإملاء، و أنا لا أعوّل في هذا المقال على امتلاكي لأيٍّ مما سبق، وإنما أعوّل على قلوبكم أنتم، وضمائركم الحيـّة، و تفكيركم الواعي..
***
اليوم.. أحدّثكم عن (طويرش)..
طويرش رجلٌ نشأ و ترعرع في أقصى شمال الجزيرة العربية، على أرضٍ لا يعرف أجداده و آباؤه غيرها مسكناً، يتنفسّون هواءها، ويحلبون سماءها، و يرعون بهائمها، لا حدود و لا سياسة، كلّ روضٍ مربعٍ هو منزلٌ لهم، وكلّ ماءٍ عذبٍ هو وِردٌ لهم، عرفوا الأرض و عرفتهم جيّداً، حتى أنها لتعرف (أثر) أحدهم على الثرى، و رائحته في الهواء، جاءت السياسة، و وُجدت السعودية، و كانوا حينها بدواً يملكون من حُمر النَّعَم ما يسدّ جوعهم و جوع ذراريهم، وما يكرمون به ضيفهم، ويفتدون به عانيهم، و لم يكونوا يحتاجون إلى الدولة في شيء، فالدولة عندهم تنحصر في (الأخوان) الذين يضربونهم على الصلاة، ويجبون منهم الزكاة، و في تلك الأيام لم تكن الحدود الدولية سوى حبرٍ على ورق، فكانوا يرتحلون و ينزلون حيث تأنس ماشيتهم، تارةً في العراق، وتارةً في الأردن، وتارةً في قلب بادية الشام، و لا يلبثون أن يعودوا أدراجهم إلى شمالهم الذي عشقوه..
***
يومها كان مناديب (ابن سعود) يزورون الأقطار؛ ليسجّلوا أبناءها في سجلاّت الدولة، ويعطونهم إثباتات هوية سعودية (تابعية) كما كانت تسمّى..
كان طويرش فتىً يافعاً حين سمع أباه يسخرُ من هذا الإجراء، و يستنكر أنه و هو من هو!، الذي تعرفه الجبال، وتفخر بوطأته الرمال، وتستبشر برؤيته الهضاب، يحتاج إلى تعريــف؟؟؟!!
أعرف ما تظنّون، لم يكن هذا من قبيل قلة الولاء للدولة، كانت مجرد حماقةٍ بدويةٍ مكابرة..
***
دارت الدوائر، وشحّت الأمطار، وغارت الآبار، وهلكت البهائم، فيمّـموا عراقهم كما اعتادوا، فإذا بالحدود موصدةٌ في وجوههم و وجوه بهائمهم الجائعة، إنها السياسة !! فقد فسد الوفاق بين البلدين حينئذٍ، رجعوا أدراجهم خائبين جائعين، و شارفوا على الهلاك..
عندها جاءهم أحد الأصدقاء ناصحاً: أن اذهبوا بأبنائكم إلى مدارس ابن سعود، فإنه لم يعد في الدنيا حظٌّ لمن لا شهادة له. سمع أبو طويرش الخبر، فمكث غير بعيد حتى وصل للمدرسة يريد تسجيل طويرش، درس طويرش حتى تخرج من الثانوية، فقال له قائل: ما صنعتَ شيئاً!! العلم كل العلم في الجامعة، ولا مستقبلَ لمن لا جامعة له.
طرق طويرش أبواب الجامعات فسُدّت جميعها في وجهه، و ردّوا عليه بردٍّ غريبٍ لم يفهمه بادئ الأمر، قالوا له كلمةً تبدأ بالباء و تنتهي بالنون، وقالوا أنها هي العلة في عدم قبوله، تفكّر حزيناً فيما قالوا، ظنّها أول الأمر: ((بـ لــون))!! لكنه عندما تفحّص لونه الذي يشبه لون إخوته و أبناء عمومته، الذين يشبهون بدورهم لون صحراء الشمال، عندها عرف أن المشكلة ليست في لونه!!
أعياه التفكير في تلك الكلمة القبيحة، لكنه كرهها و كره من اخترعها أشدّ الكره، أخذ يفكّر في أبيه المتوفّى، وإخوته العشرة، و ما تبقّى عنده من بهائم أخَذته المدرسة عنها، ولم يعد يحسن تدبير أمرها، ثم قال لنفسه: هي الوظيفةُ إذاً، ولتبق الجامعات لمن لا تقال لهم تلك الكلمة الملعونة، وأخذ يطرق أبواب سوق العمل، حكوميّها و أهليّها، فقابلوه بالرفض، وبنفس الكلمة المشؤومة، لكنه هذه المرة لم يبرح مكانه حتى استبان نطقها و سمعها جيّداً، قالوا له: أنت ((بــدون))!! أنت بدون ((هويــة))..
صاح بهم غاضباً: أنا (بدون)؟ بل أنتم الذين (بدون)، أنتم بدون إنسانية، أنتم بدون وطنية، (بدون) عدل، بدون إسلام!!، ما ذبني أنا و قد استكبر أبي البدوي عن ورقتكم و مات؟؟ ما ذنبي و أبناء عمومتي في قطاعات الدولة كلها، وعلى ثغور القوات المسلّحة و حدودها يحمون وطناً لا يعتبرني إنساناً؟؟ أأنا (بــدون) أم أنتم؟؟
***
وكانت تلك آخر مرّةٍ يراه فيها مخلوق، قبل أن يعاود الظهور بعد عشر سنوات عارياً يركض في صحراء الربع الخالي، و يغنّي:
النوق ماتت ومات أبوي و أخواني ... و الدولة استخسرت رزقي و تعليمي
..
علــي الطلحــي
