ومعـــذرةُ اليـــراعةِ والقـــوافي
... جــلالُ الــرُّزْءِ عن وصـــفٍ يـــــدِقُّ .. أحمد شوقي

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

مـــن أنـــــــــت ؟؟؟؟




السلام عليكم

في أي مقابلة شخصية، سيطلب منك المختبر أن تتكلم عن نفسك في عدة دقائق، كثيرون ممن أعرفهم قالوا لي أنه أصعب سؤال سُئِلوه في حياتهم..
من أنت؟؟
من أقصر الأسئلة على الإطلاق، وإجابته من أصعب الأجوبة على الإطلاق أيضاً..
ذهب المفكرون والفلاسفة والأدباء مذاهب شتّى وحاولوا محاولات عديدة ليجاوبوا عليه.. ولم ينجحوا..
لذا لن أتذاكى عليهم وأخبرك بالجواب الصحيح، ولكن سأخبرك ببعض الأجوبة الخاطئة الشائعة جداً..
-        أنا ولد فلان..
-        أنا من القبيلة الفلانية..
-        أنا ابن تلك المنطقة..
-        أنا حفيد الذي فعل..
-        أنا ابن الدكتور فلان..
-        أنا صديق المسؤول فلان..

هذه جميعها إجابات خاطئة، فمن أنت لا علاقة له بمن تعرف، وبمن تنتسب له، وبمن تجاورت معه، وبجدك الذي اشتهر بسطوه على جيرانه وسلبه خيراتهم فأصبح (فارساً)، ولا علاقة له حتى بجدك الذي ناصر الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة كذا وكذا، فهذا  كله جواب على سؤال أخر هو:  من هم؟؟، وليس من أنت؟، هم قومٌ قدّموا وأفضوا إلى ما قدّموه، لهم أعمالهم ولك عملك،
فمن أنت؟؟
ليس من الأجوبة الصحيحة أيضاً أن تسرد لي هواياتك في التصوير والتدوين والرسم والطبخ والنفخ، ولا قائمة الكتب التي قرأَتها لك أمك قبل النوم، والتي قرأتها أنت فيما بعد، وليس في لونك المفضل في اللباس، ولا في البرج الذي وُلدت فيه، ولا الدولة التي شهدت مقدمك الميمون إلى الكرة الأرضية، ولا أحلامك في جعل الكون مكاناً أجمل للعيش فيه..
من أنت.. هو نتيجة كل ما سبق وأكثر،هو تأثير ذلك كله عليك، هو المحصلة النهائية التي أنتجت كينونتك، و الشخص الذي نتج عن كل هذه الهوايات وكل هذا الاطلاع وكل هذه المعارف، ونتاج كل هذه التجارب وكل تلك الأحلام..

من أنت؟ تشمل تلك المدرسة الإبتدائية التي شهدت أول قدوةٍ لك، و ذلك الحي الذي شهد صباحاتك ، و ذلك العجوز في جماعة المسجد الذي كان يمسح على رأسك بعد الصلاة، والذي توفى الآن، ويشمل تلك الصداقة الطفولية التي ظننت أنها ستستمر للأبد وتعاهدت فيها مع صديقك أن لا تفترقان، ولكن مع بداية العام وتغير الفصول مر كأن لم يعرفك، وتشمل تلك العبارات التي ترك عبرها مدرسك أعمق الأثر في نفسك الفتيّة حين قال: أتمنى لو أن ولدي مثلك، وتشمل علاقة الحب الدامية تلك التي نزف جرحك لها كثيراً حتى أيقنت أن في الكون بقية أمل، ونهضت من جديد ، أو ربما لم تنهض بعد..
وتشمل ذلك الدكتور الذي اتخذته قدوةً لك، فانهارت تلك القدوة في أول موقفٍ شخصي، وتشمل تلك الحوارات التي خضتها مع أقرانك في مواضيع ربما لا تهمك في شيء، وتبين لك من خلالها عيوبهم وجهلهم، وتبين لك جهلك أكثر..
من أنت؟؟ تشمل حبك البريء الصغير كصغر روحك لجدك الذي كنت تنظر له كقمة هرم في كل شيء، وتضرب المثل به في الشموخ، فدارت الأيام حتى رأيته مضطجعاً على فراش المرض لا يقدر على شيء، وأنت الذي تحاول أن تطعمه فيأبى، لأنه ببساطة لم يتعرف على وجهك الغريب..
أو أنه عرفك فأبى أن يمنحك شرف إطعامه، ولسان حاله يقول:
من أنت يا طفلي الصغير لتطعمني بعد أن كنت أطعمك وأنظف سوأتك!!!

من أنت؟؟؟ تشمل طقوسك التي تمارسها في خلوتك، تشمل كتابك المفضل الذي ترجع لقرائته دائماً، وتشمل المكان الذي ترتاده عندما تضيق نفسك من الناس ومن الضجيج..
من أنت؟؟ تشمل إيمانك بالخلق، وطريقة تعاملك معهم، و مدى أمانتك وصدقك و مدى قربك من ربك..
من أنت؟ تشمل ما يبكيك، وما يضحكك، وما يهيج ذكراك، وما يقلب مزاجك، وما تحن إليه عندما تحن..

من أنت؟؟.. هو ما استغرق من طه حسين عدة كتب ليحاول الإجابة عليه، واستغرق من علي الطنطاوي 8 مجلدات ليجاوب عن بعضه..

فمن أنت؟؟

لتجاوب على هذا التساؤل يجب عليك أولاً أن تتعرف على نفسك جيداً، و أن تستكشفها باستمرار ، وأن تؤمن بها إيماناً جازماً لا يتزعزع مع أول سؤال، فلا تجد إلا الإجابة الواهية:

 هاه هاه!! لا أدري..

.
علي الطلحي 


هناك تعليقان (2):

  1. تقف الكلمات حيارى بم ترد على ما تفضلت ...باختصار = ابداع

    ردحذف
  2. وأقف أنا حائراً أمام تعقيبك..
    بماذا أرد؟
    وعلى من أرد؟؟

    تمنيت لو ذيّلت ردك باسمك، لأعرف من طوّقني بجميل حضوره، وعباراته المشجّعة..

    أشكرك من الأعماق.. ومرحباً بك في صفحة أخيك..

    ردحذف