ومعـــذرةُ اليـــراعةِ والقـــوافي
... جــلالُ الــرُّزْءِ عن وصـــفٍ يـــــدِقُّ .. أحمد شوقي

الخميس، 29 سبتمبر 2011

عيـــــــال الثانويــــــة !!!!



السلام عليكم..
كنت في نهاية الأسبوع الماضي في مدرستي الثانوية، مندوباً لكلّيتي في مشروعٍ ما..
فجأةً عدت ذلك الطالب المراهق الذي لا يرى من العالم إلا مدرسته ومدرسيه وأمه وأباه، طالب كنته قبل ستّ سنوات، وزرته اليوم،فلم يعرفني ولم أعرفه...
 رأيت نفسي في تلك الأروقة التي شهدت بداية الشباب وعنفوانه، وكنت فيها من كنت، ذكريات جميلةٌ جداً.. ولكن !!
لكن.. أبت مدرسة الحياة إلا أن تعطيني بعض الدروس في مقاعد للدراسة كنت قد هجرتها منذ زمن..
علمتني مدرستي في تلك الزيارة الخاطفة، ما لم أتعلّمه فيها على مدى اثنتي عشرة سنة من المعارف وثم التربية والتعليم فيما بعد..
علّمتني أن الانتقال ضرورة ملحّة، وأن ركود الماء يفسده فعلاً، وأن الجمر يموت إن لم نقلّبه..
قد يكون في المدارس فرصةً للتأمل أكثر من تلك التي على ضفاف نهرٍ ما، على صوت خرير الماء، وتغريد البلابل..
في المدرسة قصة حياة، وقصة موت، أما الحياة، فنراها كل عام في الجيل الذي تخرّج من الثانوية لتتفرّق بهم سبل الدنيا، فيرتحلون ، وعندما يعودون يعودون أشخاصاً مختلفين، أكثر إدراكاً وأكثر علماً، وأكثر خبرة.. وربما العكس!!
أما قصة الموت، فنراها كل عام أيضاً، في المدرسين الجدد، الذين يدخلون هذا العالم المنغلق، فلا يعرفون إلا هو، وتصبح حياتهم متمحورةٌ حول زملائهم الذين لا يتغيرون،ولا يرحلون، ومناهجهم التي يحفظونها في الليل، ليرددوها في النهار..
حضَرت الصلاة وأنا في المدرسة، فتوجهت للمصلى، وبعد الصلاة، قام فينا أحد مدرسي الدين خطيباً..
كنت في آخر الصفوف، فتسنّت لي رؤية ردود الأفعال على خطابه البكائي!! ..
البعض بدا متأثّراً بصراخه  وعويله ومغامراته و قصصه الخرافية و صياحه وأسلوب السبعينيات الذي يتبعه، والأغلب، كانوا يضحكون على سذاجة مدرسهم..
أدركتُ حينها.. أن المعلمين يتأثرون بالمناهج أكثر من طلابهم، وأن الطالب قد يضحك على معلمه و(قدوته)..
وكأن المدرسة كبسولة زمن، يبقى فيها كل شيءٍ كما هو، بينما يتغير العالم خارج أسوارها، حتى أشكال المدرسين لا تتغير، ولا تشيخ، فقد شاخت إلى حدها الأقصى حين دخَلـَت هنا..
خلاصة القول، والعبرة الكبرى التي أخذتها من تلك الزيارة :
لا تقبع في كبسولة زمن، تنقـّل في مراحل حياتك لأزمنةٍ أخرى، واطّلع، وتغيّر للأفضل، لا تكن بسذاجة الماضي، ولا باستحالة المستقبل البعيد، ولكن كن بنشاط الحاضر وتغيره وتطوره المحمود، واخرج من كبسولتك بين الفينة والأخرى للتنزّه في العالم الحقيقي،كيلا يضحك عليك طلابك أو أبناؤك في المستقبل، اقطع تذكرة على متن قطار الحياة، ولا تقبع في محطّة واحدة، فلربما كانت المحطات القادمة أكثر جمالاً، وإن لم تكن، فأنت تعرف طريق العودة على نفس القطار..
لا تنغلق على بيئة واحدة، واحذر من كبسولات الزمن، فهي كثيرة، وتتعدى المدارس بكثير، لتدخل في جميع مناحي الحياة..
قد يكون زواجكِ  أخيّتي كبسولة زمن كبيرة، تنتهي فيها مرحلة تطوركِ وإبداعك، وتبدأ حياتك في التمحور فقط حول (سي السيـّد) زوجك!!
فتصبحين مثل ذاك المدرّس، ترددين ما حفظتيه، وتكررين نفسك، وقد تطبخين حتى نفس الطبخات!!..
اخرجي للدنيا، لتكن لكِ حياة اجتماعية جميلة، تصِلين رحمك، وتعرفين جاراتك،وتطوّرين نفسك، وتقرأين وتتطوّرين، فلا يضحك على أسلوبكِ العتيق أولادكِ يوماً ما..

قد تكون دراستك الجامعية أخي هي كبسولتك، فتنغلق فيها على وجوهٍ معدودة تعرّفت عليهم في أول سنة، فلا تعرف من الناس إلا هم، ولا تعرف من الكتب إلا مراجع الدراسة، ولا تعرف من مدينتك سوى طريق الجامعة..
وقد يكون وطنك الكبير هو كبسولتك الكبيرة، فلا تعرف إلا هو، ولا تصدّق إلا هو، ولا تعرف من الدنيا إلا وجهة نظره، ولا تنتظر في الحياة إلا صدقته وإحسانه عليك..
 اخرج، وسافر، واطّلع، وتأمل في الأرض، و وسّع مداركك..

الكبسولات كثيرة.. ولكلٍّ منـّا كبسولته، ابحث عن كبسولتك واكسرها.. كي لا يضحك على جهلك الزمان..

علي الطلحي




هناك 5 تعليقات:

  1. أعجبتني كثيراً هذه العبارة...
    (الكبسولات كثيرة.. ولكلٍّ منـّا كبسولته، ابحث عن كبسولتك واكسرها.. كي لا يضحك على جهلك الزمان..)..


    وهذه الفلسفة أعجبتني جداً>>
    (لا تقبع في كبسولة زمن، تنقـّل في مراحل حياتك لأزمنةٍ أخرى، واطّلع، وتغيّر للأفضل، لا تكن بسذاجة الماضي، ولا باستحالة المستقبل البعيد، ولكن كن بنشاط الحاضر وتغيره وتطوره المحمود، واخرج من كبسولتك بين الفينة والأخرى للتنزّه في العالم الحقيقي)



    بالفعل لكل انسان عدة كبسولات في مجالات كثيرة..

    ولابد من "سببٍ يحدث" حتى نقوى أكثر فنصبح قادرين على كسر تلك الكبسولة..
    وإحدى كبسولاتي (لتصفح النت) قد كُسرت قبل اسبوعين تقريباً بزيارتي لــ"نزف اليراعة" ..فقد كنت متقوقعةً فعلاً في كبسولتي..
    فلا أعرف إن لم أصِلها ...فمن المؤكد سيضحك عليّ الزمان لجهلي بهكذا "ابداع وجمال" وسيفوتني قلم من أعذب الأقلام التي عرفتها..

    بارك الله في قلمك ...وزادك الله من فضله

    ردحذف
  2. أختي وأستاذتي المتواضعة جداً، التي تغمرني دائماً بفضلها على أخيها الأصغر.. حنان

    أشكرك من أعماق قلبي على جميل مرورك، وتعليقاتك الواعية، التي دائماً ما تلهمني وتدفعني لأن أتقدم..

    قبل شهر تقريباً كسرت إحدى كبسولاتي، فأنشأت نزف اليراعة، والتي سمحت لعقلي أن يعانق عقولاً رائعة تمر من هنا، لم أكن لأستفيد منها لولا أن كسرت الكبسولة..

    أحد أهم هذه العقول المميزة هو.. أستاذتنا حنان

    شكراً وليت الشكر يكفي..


    علي

    ردحذف
  3. حقا كم أتعجب من أناس ركنوالما بلغواواكتفوابه وظل شخص اليوم هو ذاته بعد غد هو كذلك بعد عدت سنوات لم يمل الرتابه ولم بحاول تطوير ذاته فالمرأ إن قنع باليسيرواكتفى بما وصل عاد بعد حين لجهله لامحاله التغيير مطلب وكل شيء من حولنا يتغير وفق تغير الظروف والأحوال نعم كم أشرت وشدت على قولك السيده حنان لكل منا كبسولته الخاصه به فإما يخرج من قوقعته لينهض بالعالي أو فليبقى كعادي بن عادي ولد عادي وعاش عادي وفي الأخير مات عادي لم يكن له بصمة أو أثر والخير كل الخير فيما نفع أسأل الله تعالى أن يكون موروثك الكتابي مما يشهد لك بالنفع شكرا من الأعماق :) إبتسامة الغد

    ردحذف
  4. ' وعندما يعودون يعودون أشخاصاً مختلفين، أكثر إدراكاً وأكثر علماً، وأكثر خبرة.. وربما العكس!!'

    معبّرة ..

    -
    "أدركتُ حينها.. أن المعلمين يتأثرون بالمناهج أكثر من طلابهم، وأن الطالب قد يضحك على معلمه و(قدوته)"

    تغيّب عن الكثير وجود قدوة حقيقيّة تجعل الإنسان يحكّم عقله أكثر مما يتبع هواهـ ..والمشكلة إن فقدنا الأمر في المدرسين..ولم نجد له وجوداً في بيئة خارجية أخرى كالمنزل..لك أن تتصور إلى أين يتجه أولئك..
    شخصيّاً..في المدرسة هناك من لا أزال أذكر كلماتها عندما كنت في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة..وهناك من لا أفكر في مراجعة آرائي عنهن ممن قمن بالتدريس في مرحلتي الثانوية..
    ليس كل شخص انتهى من أربع سنواته الجامعية أو الخمس..قادراً على أن يصبح معلّم..وهذا ما لا يفقهه البعض.. أصبحنا فقط نود ملء فراغ غياب المدرسات بأخريات جدد بغض النظر عن الأخلاقيات التي من الممكن أن تكون من إنسانة هي محط تأثير في أحوال
    والمؤلم عندما يفتقد المعلم أحد أهم مايميّزهـ.. الأمانة والرقي في الفكر والتعامل السليم مع مختلف الشخصيات
    للأسف قابلنا معلّمات لا يملكن أي مقومات حتى أبسطها..أحياناً تشعر بأنها أصغر منك للتفاهات التي تصدر منها

    _

    هناك من لا يرى ضرورة المضي والمرور بمحطات عدة..يشعر بالارتياح في حين توقفه الطويل..
    بالرغم من أنه وحده من يتوقف أو بالأصح يتراجع عن كل ما حوله لأن العالم لن يقف ينتظرهـ أبداً.. إن طالت المدة أرى بأن الإنسان قد لا يعيش حتى في ظروف واقعه..هو يخلق محيطاً من الماضي لا يرضى الخروج منه

    مثالك عن الزوجة..يُطبّق من قبل الكثير للأسف..وهنا نعود لنقطة القدوة.. هذا أولاً..والأمر الآخر التجارب التي مر الإنسان بها في حياته ..فبقدر ما أكسبته بقدر ما يصبح أكثر إدراكاً لما حوله..والأهم أكثر إدراكاً لضرورة التغيير

    " فلا يضحك على أسلوبكِ العتيق أولادكِ يوماً ما"

    نقطتك جداً مهمة برأيي..فلا ننتظر من أولادنا أن يخبرونا بكل شيء لأنهم في الحقيقة لن يفعلون.. فنظل نحن في جهل عن كل ما تغير عما كان في أيامنا
    إن لم يدرك الأبوين أمراً كهذا..أعتقد بأنه سيأتي اليوم الذي يتساءلون فيه..من هؤلاء؟
    ليس بالضرورة حرفيّاً..لكن الكثير لا يعلمون حقيقة من أولادهم..واكتفوا بأنهم أجساد تأكل وتشرب وتلبس.. وتحتاج قليلاً من تعليم

    _

    جميل أن تمر بمكان كنت فيه يوماً..فترى كل شيء من منظور جديد

    أحببت ما كان هنا..شاكرة لك

    شذا

    ردحذف
  5. جميل ما كتبت ، اعدت لي ذكريات كثيرة و اثرت لي تأملات أكثر !
    هناك بالفعل حنين عميق في بداخلي لمقاعد الدراسة ، كيف لا وأنا قد تشرفت بمزاملتك يا عزيزي .. أعجبتني نظرية كسر الكبسولات ..

    وحشتنا أيامك و اشتقت لشوفتك يا غالي ، وكنت على أمل بشوفتك الصيفية الماضية ، وبإذن الله تحصل فرص قادمة لشوفتك يا دكتور ..

    أخوك : نايف الحرقان

    ردحذف